المنصوري ومطرقة الإعفاء.. حين تتحول رئاسة الحكومة إلى محكمة لتوزيع شهادات الاستحقاق

هيئة التحريرمنذ ساعتينآخر تحديث :
"مطارات المغرب" تسجل أرقاماً قياسية تاريخية في صيف 2026 ومطار كازا في الصدارة




يبدو أن الإعفاء من المنصب لم يعد كافياً في قاموس السياسة المغربية، بل أصبح يحتاج أحياناً إلى مرافعة إضافية تحت قبة البرلمان..

فبعد مغادرة مديحة خيير مسؤوليتها الوزارية، جاءت مداخلة فاطمة الزهراء المنصوري أمام مجلس المستشارين لتفتح نقاشاً حول الحدود الفاصلة بين ممارسة الصلاحيات الدستورية وتوزيع أحكام الاستحقاق السياسي.

إدريس لكبيش / Le12.ma

في السياسة المغربية، يبدو أن مغادرة الكرسي لم تعد دائماً نهاية الحكاية، بل قد تكون مجرد بداية فصل جديد، تُستدعى فيه الكلمات لتؤدي دوراً إضافياً بعد أن يكون القرار قد أدى مهمته.

وهذا ما جعل مداخلة فاطمة الزهراء المنصوري أمام مجلس المستشارين تثير نقاشاً بشأن الطريقة التي جرى بها تناول ملف إعفاء مديحة خيير من مسؤوليتها الوزارية.

فقد كان بالإمكان الاكتفاء بالقول إن الأمر يتعلق بقرار سياسي وإداري يدخل ضمن الصلاحيات الدستورية لرئاسة الحكومة، ثم الانتقال إلى الملفات التي تنتظر الحكومة الجديدة.

لكن يبدو أن بعض قرارات الإعفاء تحتاج، في المسرح السياسي، إلى ما يشبه عرضاً موازياً، حتى لا يغادر المسؤول منصبه قبل أن يسمع ما يكفي عن أسباب مغادرته!

والطريف في الأمر أن الدستور يمنح رئيس الحكومة صلاحيات واضحة في تدبير الفريق الحكومي، لكنه لا يتضمن، فيما نعلم، فصلاً خاصاً يمنح شاغل هذا المنصب حق توزيع شهادات الكفاءة والاستحقاق، أو تنظيم امتحانات شفوية للمسؤولين السابقين بعد انتهاء مهامهم.

فالإعفاء قرار سياسي يمكن تبريره وتفسيره ومناقشة خلفياته، لكن تحويله إلى مناسبة لتقييم الأشخاص أمام البرلمان يطرح سؤالاً مشروعاً: هل نحن أمام توضيح لأسباب القرار، أم أمام محاكمة سياسية إضافية لم يصدر بشأنها أي حكم قضائي؟

لا أحد ينازع رئيسة الحكومة حقها في اختيار فريقها، ولا أحد يطالبها بالاحتفاظ بمسؤول لم تعد ترى فيه ما يلائم تصورها للتدبير. فالحكومة ليست جمعية خيرية لتوزيع المناصب بدافع المجاملة، كما أن المسؤولية الوزارية ليست عقداً أبدياً يضمن لصاحبه البقاء إلى نهاية الولاية.

لكن بين حق الإعفاء وواجب احترام الأشخاص مسافة يفترض أن تكون السياسة قادرة على قطعها دون ضجيج. فامتلاك سلطة اتخاذ القرار لا يعني بالضرورة امتلاك الحقيقة المطلقة بشأن من غادر المنصب، مثلما أن مغادرة المسؤولية لا تعني تلقائياً أن صاحبها فقد أهليته أو أصبح مطالباً بإثبات براءته أمام الرأي العام.

والأغرب أن السياسة، التي يفترض أن تكون مدرسة في تدبير الاختلاف، تتحول أحياناً إلى حلبة لتبادل الرسائل القاسية، وكأن تدبير الشأن العام لا يكتمل إلا بإضافة جرعة من التوبيخ إلى كل قرار إداري.

والحال أن قوة القرار لا تقاس بعدد العبارات الحادة التي ترافقه، بل بوضوح أسبابه، واحترام المؤسسات، والقدرة على إقناع المواطنين بوجاهته.

أما البرلمان، فليس محكمة لتصفية الحسابات السياسية، ولا منصة لمنح صكوك البراءة أو الإدانة الأخلاقية.

إنه فضاء للمساءلة وتقديم التوضيحات ومناقشة السياسات العمومية، بما يضمن حق الحكومة في الدفاع عن قراراتها وحق الرأي العام في معرفة خلفياتها، دون أن تتحول المساءلة إلى مناسبة للمساس بالاعتبار الشخصي للأفراد.

وإذا كانت رئيسة الحكومة تريد إقناع المغاربة بأن المرحلة الجديدة تقوم على تغيير أساليب التدبير، فإن هذا التغيير ينبغي أن يظهر أيضاً في لغة الخطاب السياسي، لا في أسماء المسؤولين الذين يغادرون مكاتبهم فقط.

فالتغيير ليس مجرد تبديل للأشخاص، بل هو كذلك تبديل لطريقة التعامل مع السلطة، وللحدود التي تفصل بين الحزم والتجريح، وبين التوضيح والتشهير.

وفي النهاية، قد يكون من حق فاطمة الزهراء المنصوري أن تعفي من تشاء وفق المساطر الدستورية، لكن ليس من الضروري أن يتحول كل إعفاء إلى حصة إضافية في تقييم المسار الشخصي للمُعفى. فالمناصب تزول، والحكومات تتغير، والقرارات تخضع للنقاش، أما الكرامة الإنسانية فلا ينبغي أن تصبح بنداً قابلاً للإلغاء بمجرد توقيع قرار الإعفاء.

ولعل المفارقة التي تستحق التأمل هي أن السياسة تحتاج إلى مسؤولين يملكون شجاعة اتخاذ القرارات، لكنها تحتاج بالقدر نفسه إلى مسؤولين يعرفون متى يتوقفون عن الكلام بعد اتخاذها.

فليس كل من يملك سلطة الإعفاء يملك بالضرورة سلطة منح شهادات الاستحقاق، وليس كل من غادر الكرسي مطالباً بمغادرة كرامته معه..


الاخبار العاجلة