في خضم الجدل الذي أعقب التصريحات المثارة داخل مجلس المستشارين بشأن تجربة هيئة الإنصاف والمصالحة، دخل المجلس الوطني لحقوق الإنسان على خط النقاش، مؤكدا أن تقييم هذه التجربة حق مشروع، لكن دون تبخيس المكتسبات أو المساس بكرامة الضحايا.
إ. لكبيش / Le12.ma
أكد المجلس الوطني لحقوق الإنسان أن تجربة هيئة الإنصاف والمصالحة تشكل محطة بارزة في المسار الحقوقي والمؤسساتي للمغرب، داعيا إلى التعامل مع منجزاتها واختلالاتها بموضوعية ومسؤولية، بعيدا عن المزايدات السياسية أو التشكيك الذي من شأنه أن يحجب ما تحقق من مكتسبات.
وأوضح المجلس، في بلاغ نشره اليوم الجمعة، على إثر التصريحات التي تناولت تجربة الهيئة خلال جلسة مجلس المستشارين المنعقدة يوم 21 أكتوبر الجاري، وما أعقبها من نقاش عمومي، أن مناقشة هذه التجربة وتقييم حصيلتها وحدودها حق مشروع، ويشكلان جزءا من الممارسة الديمقراطية.
غير أن المجلس شدد على ضرورة التمييز بين النقد المسؤول، الذي يثير مكامن النقص والإشكالات التي تستدعي المعالجة، وبين التشكيك الذي يبخس المكتسبات وينتقص من مشروعية إنصاف المتضررين.
واعتبر أن النقاش يتجاوز مجرد الاختلاف حول قراءة الماضي، ليرتبط بمكانة حقوق الإنسان في حاضر البلاد ومستقبلها، وقدرة المؤسسات والمجتمع على تحويل الالتزام بعدم التكرار إلى ضمانات فعلية ومستدامة.
وأكد المجلس أن إحداث هيئة الإنصاف والمصالحة في يناير 2004 جاء تتويجا لمسار وطني تفاعلت فيه الإرادة الملكية مع ترافع الحركة الحقوقية ومطالب الضحايا وأسرهم وديناميات المجتمع المدني.
وقد تبلورت هذه التجربة في إطار استمرارية الدولة، انطلاقا من اختيار سيادي يروم معالجة ماضي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان وتعزيز مسار بناء دولة الحق والقانون.
وشدد البلاغ على أن خصوصية التجربة المغربية لا تختزل في مقارنتها بتجارب دولية أخرى، وإنما تستمد معناها من الأهداف التي سعت إلى تحقيقها، وفي مقدمتها الاعتراف بالانتهاكات، وكشف الحقيقة، وإنصاف الضحايا، وجبر الأضرار، وحفظ الذاكرة، وإرساء ضمانات عدم التكرار.
وفي هذا السياق، أبرز المجلس أن الهيئة اشتغلت على الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان المرتكبة خلال الفترة الممتدة من 1956 إلى 1999، وفق مقاربة حقوقية وإنسانية وضعت الضحايا ومعاناتهم في صلب عملها.
وشملت هذه المقاربة الاعتراف بمعاناة الضحايا وذوي حقوقهم، وجبر الأضرار الحقوقية والاجتماعية والإدارية والصحية، فضلا عن اعتماد جبر الضرر الجماعي لفائدة المناطق التي تضررت من آثار تلك الانتهاكات.
كما همت هذه الجهود رفع العوائق التي حالت دون استفادة عدد من المناطق المتضررة من التنمية.
وأكد المجلس أن حقوق الضحايا لا ترتبط بانتماءاتهم السياسية أو الفكرية أو الجغرافية، ولا يجوز إخضاع الاعتراف بمعاناتهم لمنطق الاصطفاف أو الخلاف السياسي.
وينطبق هذا المبدأ على مختلف الملفات، بما فيها المرتبطة بالأقاليم الجنوبية، حيث تظل كرامة الإنسان وحقه في الإنصاف أساس المعالجة الحقوقية، مهما كانت تعقيدات السياق.
كما نبه البلاغ إلى ضرورة استحضار الآثار المختلفة للانتهاكات على النساء والرجال والأسر والمجتمعات المحلية.
واعتبر أن جبر الضرر لا ينبغي أن يقتصر على التعويض المالي، بل يتعين أن يشمل استعادة الكرامة والحقوق وتعزيز الإدماج الاجتماعي.
وبخصوص الحقيقة التاريخية، أشار المجلس إلى أن الهيئة واجهت صعوبات مرتبطة بنقص المعطيات وتعدد الروايات وتضارب التأويلات بشأن عدد من الأحداث التي عرفتها البلاد.
وهو ما فرض التمييز بين اختصاصات آلية الإنصاف والمصالحة وبين البحث العلمي والتاريخي المفتوح أمام المؤرخين والباحثين.
وأكد أن الهيئة لم يكن من مهامها فرض رواية نهائية للتاريخ أو إغلاق باب البحث فيه، مشددا على أهمية إتاحة الأرشيف وصون الشهادات وتوفير شروط البحث المستقل.
ويتعين، في هذا الإطار، احترام المعطيات الشخصية وخصوصية الضحايا وأسرهم.
وأضاف المجلس أن فهم السياقات التاريخية والسياسية يساعد على تفسير الظروف التي وقعت فيها الانتهاكات واستخلاص الدروس منها، لكنه لا يمكن أن يكون مبررا لها أو سببا لإسقاط حق الضحايا في الحقيقة والإنصاف.
وفي ما يتعلق بمسؤولية الدولة، أوضح البلاغ أن إقرارها شكل مدخلا مؤسساتيا لتحمل تبعات الانتهاكات وجبر الأضرار الناتجة عنها، وترجمة الاعتراف إلى التزامات تجاه الضحايا والمجتمع.
غير أن هذا الاختيار لا ينبغي تأويله باعتباره حكما تاريخيا شاملا على جميع الوقائع والفاعلين، أو إغلاقا للنقاش بشأن المسؤوليات.
كما أن الطبيعة غير القضائية للهيئة تفرض التمييز بين اختصاصاتها وبين وظائف القضاء والبحث التاريخي.
واعتبر المجلس أن العدالة الانتقالية تقوم على ترابط الحقيقة والعدالة وجبر الضرر وضمانات عدم التكرار، باعتبارها مكونات متكاملة تستمد قوتها من قدرتها على إعادة الاعتبار للضحايا وتعزيز الثقة في المؤسسات وترسيخ سيادة القانون.
وعلى مستوى الإصلاحات المؤسساتية، أبرز البلاغ أن توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة اكتسبت أهميتها من ارتباطها بإرساء ضمانات حماية حقوق الإنسان.
ويشمل ذلك تعزيز استقلال القضاء، وتحسين حكامة الأجهزة الأمنية، وحماية الحريات، وصيانة الأرشيف والذاكرة، والنهوض بالتربية على حقوق الإنسان.
وأشار المجلس إلى أن نشر التقرير الختامي للهيئة سنة 2006، وإسناد مهمة متابعة تنفيذ توصياتها إلى المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان آنذاك، شكلا امتدادا مؤسساتيا لهذا المسار.
وهو المسار الذي يواصل المجلس الوطني لحقوق الإنسان العمل على تتبعه وتقييم ما تحقق منه، ورصد الجوانب التي ما تزال تستدعي الاستكمال والمعالجة.
وفي معرض حديثه عن الإشعاع الدولي للتجربة المغربية، ذكر المجلس بأنها حظيت بالتنويه في تقارير صادرة عن الأمين العام للأمم المتحدة، وكذا تقارير المقررين الخاصين.
وشملت هذه التقارير مجالات تعزيز الحقيقة والعدالة وجبر الضرر وضمانات عدم التكرار والنوع الاجتماعي وحفظ الذاكرة وتوثيق الانتهاكات ومسؤولية الفاعلين من غير الدول.
كما أشار المجلس إلى أن التجربة المغربية وردت ضمن التجارب التي تميزت بمركزية الضحايا في المشاورات، واستندت إلى توافق جماعي وخبرة وطنية.
واعتمدت هذه التجربة آليات رسمية ومؤقتة وغير قضائية للتقصي والتحقيق في أنماط انتهاكات حقوق الإنسان، ضمن اختصاصات زمنية وموضوعية محددة.
كما قدمت تقارير وتوصيات بشأن الإصلاح الدستوري والمؤسساتي وترسيخ سيادة القانون وضمانات عدم التكرار.
وخلص المجلس الوطني لحقوق الإنسان إلى أن المصالحة ليست محطة تاريخية مغلقة، بل سيرورة مستمرة تتعزز كلما اتسعت الحريات وتوطدت الثقة في المؤسسات وأصبحت الحماية من التعسف واقعا ملموسا في حياة المواطنات والمواطنين.
ودعا مختلف الفاعلين السياسيين والمؤسساتيين والمدنيين إلى الارتقاء بالنقاش العمومي حول تجربة الإنصاف والمصالحة، بالاستناد إلى الوقائع والبحث الموضوعي واحترام الضحايا.
كما دعا إلى جعل الدروس المستخلصة من هذه التجربة مدخلا لاستكمال الإصلاح وتعزيز المساءلة.
وشدد البلاغ، في ختامه، على أن حقوق الإنسان التزام دائم يحكم ممارسة السلطة وتدبير الاختلاف وصياغة السياسات العمومية.
وأكد أن صون كرامة الضحايا مسؤولية وطنية، وكشف الحقيقة حق، وضمان عدم التكرار واجب مستمر على الدولة ومؤسساتها.
وتظل المصالحة الحقيقية، بحسب المجلس، وفاء للحقيقة وإنصافا للضحايا والتزاما ببناء مستقبل تصان فيه كرامة الجميع بقوة القانون وفعالية المؤسسات.








