نجحت حكومة فاطمة الزهراء المنصوري في عبور أول اختبار دستوري، لكنها فعلت ذلك على طريقة من ينجح في الامتحان بفارق نقطة واحدة، ثم يخرج من القاعة ليكتشف أن نصف القسم تقريباً لم يقتنع بأجوبته.
فبين 204 أصوات مؤيدة و127 معارضة، تبدو الثقة البرلمانية أقرب إلى شهادة نجاح مشروطة منها إلى شيك سياسي على بياض.
إ. لكبيش / Le12.ma
يبدو أن حكومة فاطمة الزهراء المنصوري قررت أن تبدأ ولايتها السياسية بجرعة مكثفة من الإثارة، بعدما حصل برنامجها الحكومي على ثقة مجلس النواب بـ204 أصوات، مقابل 127 صوتاً رافضاً.
الرسالة التي تلخص هذا المشهد، هي أن الحكومة نجحت في امتحان التنصيب، لكنها لم تنجح بالضرورة في امتحان إقناع الجميع.
204 أصوات قالت نعم، و127 نائباً قالوا لا، وبين الرقمين حكاية سياسية تستحق أن تُقرأ بعناية.
فالحكومة حصلت على الضوء الأخضر الدستوري، لكن المعارضة وضعت أمامها ضوءاً أحمر سياسياً، وكأنها تقول لها: تفضلي إلى مقاعد الحكومة، لكن لا تتوقعي أن يكون الطريق مفروشاً بالورود.
والأطرف أن الحكومة دخلت مرحلة المسؤولية التنفيذية بأغلبية عددية ضيقة، وفق المعطيات المتداولة بشأن التصويت، ما يجعل كل محطة تشريعية مقبلة أشبه بامتحان جديد.
فبدلاً من الاحتفال المريح بأرقام التصويت، سيكون على الفريق الحكومي أن يتأكد في كل مرة من أن الأغلبية ما تزال أغلبية، وليست مجرد ذكرى جميلة من جلسة التنصيب.
أما البرنامج الحكومي، فقد خرج من قاعة البرلمان محملاً بوعود كبيرة وأسئلة أكبر.
إصلاح التقاعد، ومحاربة الاحتكار، وتحسين القدرة الشرائية، وغيرها من الملفات الثقيلة، لا تحتاج إلى عبارات أنيقة بقدر ما تحتاج إلى أرقام واضحة، ومصادر تمويل محددة، وآجال للتنفيذ يمكن للمواطن أن يحاسب الحكومة على أساسها.
فالمواطن المغربي، الذي يسمع الوعود منذ سنوات، لم يعد ينتظر برنامجاً حكومياً يصلح للعرض في جلسة برلمانية، بل ينتظر برنامجاً يصلح للحياة اليومية.
يريد أن يعرف كيف ستنخفض الأسعار، ومتى ستتحسن الخدمات، ومن سيدفع كلفة الإصلاحات، وهل ستظل الوعود أكبر من الميزانيات المخصصة لتنفيذها.
ومن هذه الزاوية، تبدو المائة يوم الأولى أمام حكومة المنصوري أشبه بفترة تجريبية غير معلنة، لن يكون فيها مجال كبير للاختباء وراء لغة الخطب والبلاغات.
فكل تأخر في تقديم إجراءات ملموسة سيمنح المعارضة فرصة جديدة لتذكير الحكومة بأن الثقة التي حصلت عليها داخل البرلمان لا تعني بالضرورة ثقة تلقائية خارج أسواره.
وبطبيعة الحال، لا يعني تصويت 127 نائباً ضد البرنامج الحكومي أن الحكومة فقدت شرعيتها الدستورية، ما دامت قد استوفت الشروط القانونية اللازمة لنيل الثقة.
لكنه يعني سياسياً أن جزءاً مهماً من المؤسسة التشريعية اختار عدم منحها صك الاطمئنان، وأن الطريق نحو تمرير القوانين والإصلاحات لن يكون بالسهولة التي قد توحي بها صور التنصيب والابتسامات الرسمية.
الحكومة تحتاج إلى أغلبية تدعمها، والمعارضة تحتاج إلى أخطاء تستثمرها، والمواطن يحتاج إلى نتائج لا تنتظر اكتمال الحسابات الحزبية.
وبين هذه الأطراف الثلاثة، ستجد المنصوري نفسها مطالبة بإثبات أن تدبير الحكومة أصعب بكثير من تدبير جلسة تصويت.
أما الحديث عن إمكانية تحول المعارضة إلى أغلبية عددية قادرة على إسقاط الحكومة، فيبقى سيناريو سياسياً مشروطاً بتوازنات البرلمان والمقتضيات الدستورية، وليس نتيجة تلقائية لارتفاع عدد الأصوات الرافضة.
ومع ذلك، فإن الأرقام الحالية كافية لتذكير الأغلبية بأن السياسة ليست عملية حسابية تنتهي بمجرد جمع الأصوات، بل اختبار مستمر للقدرة على الإقناع والإنجاز.
في النهاية، حصلت حكومة المنصوري على الثقة اللازمة للانطلاق، لكنها لم تحصل على بطاقة مرور مجانية لبقية الولاية.
فالبرلمان منحها مفاتيح الحكومة، والمعارضة وضعت ساعة التوقيت، والمواطن ينتظر أن يرى ما إذا كانت الوعود ستتحول إلى قرارات، أم أن الحكومة ستكتشف، بعد انتهاء أجواء التنصيب، أن أصعب امتحان ليس الحصول على الثقة، بل الحفاظ على مبرراتها.
الحكومة نجحت في امتحان الدخول، والآن يبدأ الامتحان الحقيقي.. أما المواطن، فلا يريد معرفة عدد الأصوات التي قالت نعم، بقدر ما يريد أن يعرف متى ستقول الأسعار نعم للانخفاض، والخدمات نعم للتحسن، والوعود نعم للتنفيذ.









