بين العود والكمان.. محمد بن عبد السلام يكتب تاريخ الزجل المغربي على أوتار الزمن (بورتريه)

هيئة التحرير9 يناير 2025آخر تحديث :
بين العود والكمان.. محمد بن عبد السلام يكتب تاريخ الزجل المغربي على أوتار الزمن (بورتريه)

في فضاء موسيقي قلما يجود الزمان بمثله، تبرز أسماء أضاءت سماء الفن المغربي، وساهمت في صياغة هويته السمعية، بما لا يمحوه الزمن. ومن بين تلك الأسماء المضيئة التي خلدت ذكرها في الذاكرة الفنية المغربية، يأتي اسم محمد بن عبد السلام، كأحد الأعمدة الأساسية التي صمدت أمام متغيرات العصر، ورافقت تطور الأغنية المغربية عبر العقود.

هو فنان قل نظيره، صاحب الكلمة واللحن، الذي عاش وتغذى على نغمات الأرض المغربية، فكان جزءا من تاريخها الفني والوطني. كانت مسيرته الموسيقية محطات غنية بالأحداث، التي لم تقتصر على بناء ألحان فقط، بل تكونت حولها أسطورة كاملة، تشابكت مع ذكريات شعب متأصل في الفن والطرب.

في قلب مدينة سلا، حيث تزخر أزقتها بأصداء الماضي الجميل، وعبق التاريخ، ولد الفنان محمد بن عبد السلام في عام 1930، في زمن كان فيه الفن والموسيقى يشكلان هوية المملكة ويغذيان روحها.

وفي وسط هذا الواقع الفني، انطلقت أولى خطوات هذا الفتى في عالم الموسيقى والفن، لتكون انطلاقته نوعا من القدر الذي يكتب للأجيال القادمة بأن تتعرف على عبقريته.

لم يكن عمره يتجاوز الثامنة عندما وجد نفسه تحت مظلة الفن، حيث انضم إلى جوق الفنان الكبير والمعلم الأصيل، أحمد زنيبر، في الميتم البيضاوي، لتبدأ رحلة تعلمه واكتشافه لموسيقى الطرب الأصيل.

كانت تلك اللحظات الأولى بمثابة التكوين الموسيقي العميق، حيث لم يقتصر تعليم محمد بن عبد السلام على آلة واحدة، بل أصبح قادرا على إتقان العديد من الآلات الموسيقية التي جعلته يتقن العزف على العود والكمان معا، ليحاكي بذلك موسيقى الشرق، ويعزف ألحانا ليست كالألحان.

في قلب هذا الفضاء الذي ضم العديد من كبار الفنانين، أمثال عمرو الطنطاوي، وصالح الشرقي، وبقية العازفين المبدعين، تأثر محمد بن عبد السلام بعالم الطرب المشرقي، وحلم أن يكون جزءا من هذا التراث الموسيقي العريق.

ومع مرور الوقت، بدأ الفنان الشاب يخطو بثبات نحو تحقيق أحلامه الفنية، حيث أسس جوق “الاتحاد السلاوي”، الذي سيكون له دور محوري في تقديم حفلات موسيقية في العديد من المدن المغربية.

في عام 1952، وقع محمد بن عبد السلام أولى خطواته الكبيرة في عالم التلحين، مع أغنيته “يا لخاطف عقلي”، التي كانت بمثابة الانطلاقة الحقيقية له في هذا المجال. تلك الأغنية لم تكن مجرد بداية فنية، بل كانت تعبيرا عن روح التمرد على التقليدية والجمود الذي كان يحيط بالموسيقى المغربية آنذاك.

لكن قبل هذه الانطلاقة، كان محمد قد اختار في بداياته أن يكون له صوت خاص يميز أعماله، فقدم معزوفته الأولى “بوادر”، التي شكلت نقلة نوعية له وللموسيقى المغربية، مؤكدة على قدرته الفائقة في تجديد اللغة الموسيقية.

وفي عام 1954، فتح له عالم الإذاعة المغربية أبوابا جديدة، حين أتيحت له فرصة الانضمام إلى الجوق العصري الذي كان تحت إشراف الراحل أحمد البيضاوي.

ورغم التحديات والصعوبات التي واجهها، استطاع محمد بن عبد السلام أن يثبت جدارته، ويصبح من الأعمدة الأساسية في هذا الجوق، الذي كان يشكل الركيزة التي انطلقت منها الموسيقى المغربية الحديثة.

لم يكن مجرد عضو في الجوق، بل كان واحدا من أبرز المبدعين الذين أسهموا في تطوير وتوجيه الأغنية المغربية نحو آفاق جديدة، جاعلا من الجوق الوطني وسيلة لتحويل الأنماط الموسيقية التقليدية إلى إبداعات جديدة تنبض بالحياة.

من بين أبرز إبداعات الفنان محمد بن عبد السلام، تبرز الأغاني التي لحنها لأبرز الفنانين المغاربة، التي أضحت جزءا من تاريخ الموسيقى المغربية. من أشهر تلك الإبداعات، لحنه لأغنية “الظروف” للفنان عبد الهادي بلخياط، التي كانت من أكثر الأغاني إثارة للجدل في السبعينيات، لما حملته من أبعاد اجتماعية وسياسية تتناغم مع الوضع الراهن آنذاك.

تلك الأغنية، بالإضافة إلى غيرها من الأعمال التي لحنها للفنان إسماعيل أحمد، ونعيمة سميح، كانت لا مجرد أغاني، بل كانت تجسيدا لفن يمتزج فيه الجمال الموسيقي مع عمق المعاني.

ورغم تميز أعماله العاطفية، كان للجانب الوطني أيضا حضور قوي في لحنه، حيث أنجز العديد من الأغاني الوطنية التي تلقي الضوء على القضايا الكبرى للأمة، مثل أغنيتي “المجد العربي”، و”صوت الأحرار”، اللتين حملتا رسالة سياسية وثقافية عبر ألحان تعكس قوة التلاحم الوطني.

وخلال مسيرته التي امتدت لأكثر من خمسين عاما، أثبت محمد بن عبد السلام، أنه كان أكثر من مجرد ملحن. فقد كان معلما موسيقيا، وقائدا فنيا، ومبدعا خلاقا أسهم في تشكيل هوية الأغنية المغربية المعاصرة.

بالإضافة إلى ذلك، أسهم في اكتشاف وتقديم العديد من الأصوات الشابة التي تركت بصمة في الساحة الفنية، مثل بهيجة إدريس، ومحمد الإدريسي، ولطيفة الجوهري، ليبقى اسم محمد بن عبد السلام محفورا في سماء الأغنية المغربية، حيث جسد رحلة فنية عظيمة تشهد على عبقريته وحبه لفنه وبلاده.

الاخبار العاجلة