من أكادير إلى إمزورن والدار البيضاء، تتكرر مشاهد مقلقة تضع رجال الأمن في مواجهة سلوكيات تتجاوز مخالفة القانون إلى الاعتداء والاستفزاز.
فهل يتعلق الأمر بحالات معزولة، أم أن «الضسارة» أصبحت لدى البعض جرأة على تحدي القانون واختبار هيبة الدولة؟.
عادل الشاوي/ Le12.ma
ثمة شيء مقلق في الجرأة التي أصبح يبديها، مؤخرا، بعض الأشخاص في مواجهة رجال الأمن.
فالأمر لم يعد يتعلق فقط بمخالفة تعليمات شرطي أو رفض الامتثال لأوامره، بل بسلوك يتطور أحيانا إلى الدهس والاعتداء والاستفزاز، وكأن رجل الأمن الذي يؤدي واجبه مجرد شخص يمكن تحديه، وأن وجوده في الشارع لم يعد يشكل، لدى البعض، حاجزا أمام التمادي في خرق القانون.
في أكادير، شهدنا اليوم واقعة خطيرة كاد فيها شرطي أن يفقد حياته بعدما صدمه سائق رفض الامتثال، ثم عاد ليدهسه قبل أن يلوذ بالفرار.
وفي إمزورن، سقط، قبل أسابيع، الشرطي حمزة زعام خلال تدخل أمني لتوقيف مشتبه فيه مبحوث عنه في قضايا خطيرة، بعدما واجهت العناصر الأمنية مقاومة مسلحة.
وفي الدار البيضاء، تتحول، كل ليلة، مطاردة محترفي السياقة الاستعراضية إلى مشاهد استفزازية لرجال الأمن الذين يحاولون وضع حد لهذه السلوكيات الخطيرة.
قد تختلف ظروف هذه الوقائع، لكن ما يجمعها هو خطورة السلوك الذي يضع رجل الأمن في مواجهة مباشرة مع أشخاص لا يقفون عند حدود مخالفة القانون، بل قد يذهبون إلى تحدي من يسهر على تطبيقه.
هنا، تصبح كلمة «الضسارة»، المتداولة في الشارع المغربي، أكثر من مجرد توصيف دارج للتهور؛ إنها تختزل ذهنية تتعامل مع القانون باعتباره عقبة يمكن تجاوزها، ومع تدخل الأمن باعتباره مواجهة يمكن كسبها بالاندفاع أو العنف أو الاستعراض.
لكن من أين تأتي هذه الجرأة؟ هل من شعور لدى البعض بأن العواقب لن تكون بحجم الأفعال؟ أم من تراكم سلوكيات يجري التساهل معها إلى أن تتجاوز حدودها؟ أم من ثقافة استعراض القوة التي باتت تجد في الشارع ووسائل التواصل فضاء لتضخيم التحدي والبحث عن الانتباه؟
لا يمكن رد جميع الاعتداءات إلى سبب واحد، ولا الجزم بأن التساهل هو المسؤول عنها من دون معطيات تثبت ذلك. غير أن هذه الأسئلة لم تعد ترفا، لأن تجاهلها يترك الظاهرة من دون تشخيص، ويحول كل حادث جديد إلى مناسبة للتنديد، قبل أن يطوي النسيان ما سبقه.
المشكلة أن القانون لا يُختبر فقط في المحاكم والنصوص، بل في الشارع، وفي تلك اللحظة التي يطلب فيها شرطي من سائق التوقف، أو يتدخل لتوقيف مشتبه فيه، أو يمنع سلوكا يهدد سلامة المواطنين.
فإذا أصبح الامتثال قابلا للمساومة، وإذا اعتقد البعض أن بإمكانهم فرض إرادتهم بالقوة، فإن الخطر لا يعود محصورا في سلامة رجل الأمن، بل يمتد إلى قدرة المجتمع على العيش في فضاء تحكمه قواعد مشتركة.
فالشرطي الذي يتعرض للدهس أو التهديد لا يؤدي واجبه لحماية نفسه وحده، بل يتدخل باسم القانون، لحماية مواطنين قد يكونون هم أنفسهم ضحايا السلوك الذي يحاول وقفه.
ومن يعتدي عليه لا يهدد شخصا يرتدي زيا رسميا فحسب، بل يضع سلامة الآخرين وسلطة القانون أمام الخطر.
وإذا جرى التعامل مع مثل هذه الأفعال باعتبارها مجرد وقائع معزولة، من دون مساءلة جدية لمدى فعالية الردع، فإن المجتمع يخاطر بالتعايش مع سلوكيات ينبغي أن تظل مرفوضة ومكلفة قانونيا.
وهنا تحديدا تصبح مسؤولية الأفراد والمؤسسات حاسمة. فلا يكفي التحرك بعد الاعتداء، أو إعلان التضامن مع المصاب، أو تثمين تضحيات رجال الأمن.
فهذه مواقف مهمة، لكنها لا تعوض الحاجة إلى سياسة واضحة تجعل القانون حاضرا قبل وقوع الضرر، وتضع حدا للتطبيع مع سلوكيات مرفوضة تهدد أمن الجميع.
إن الردع لا يقوم على شدة الخطاب، بل على يقين الناس بأن القانون يُطبَّق، وأن الاعتداء على من يتولون إنفاذه لن يتحول إلى مغامرة يمكن الاستهانة بعواقبها.
كما أن الحزم لا يعني التشدد خارج القانون، وإنما التطبيق الصارم والمتساوي لمقتضياته، بما يجعل الامتثال قاعدة، والاعتداء فعلا تترتب عليه مسؤولية واضحة.
ولا يعني ذلك منح رجال الأمن سلطة مطلقة أو وضعهم فوق المساءلة. على العكس، فإن قوة الدولة تتجلى في قدرتها على حماية موظفيها من الاعتداء، ومحاسبتهم إذا تجاوزوا القانون، وفي الوقت نفسه ترتيب الجزاءات اللازمة في حق كل من يعتدي عليهم أو يعرقل أداءهم لمهامهم أو يعرض سلامة الأفراد والمجتمع للخطر.
فالقواعد الواضحة التي تسري على الجميع هي وحدها الكفيلة بصون التوازن بين حماية الحقوق والحريات وفرض النظام العام.
إن هيبة رجال إنفاذ القانون من هيبة الدولة. ولا يتعلق الأمر هنا بالدفاع عن صورة المؤسسة الأمنية، بل بحماية المبدأ الذي يجعل القانون أعلى من نزوات الأفراد، ويضمن ألا يصبح الشارع رهينة لمن يملك الجرأة الأكبر على التحدي.
فالدولة لا تُقاس فقط بقدرتها على توقيف المعتدين بعد ارتكاب أفعالهم، بل أيضا بقدرتها على منع تحول الاعتداء إلى سلوك متكرر، وبإيصال رسالة لا لبس فيها مفادها أن تطبيق القانون ليس موضوعا للمساومة أو الاستعراض، وأن السلوكيات المنحرفة لا ينبغي التساهل مع مرتكبيها، بل يجب ترتيب المسؤوليات والجزاءات القانونية بشأنها.
إن أخطر ما في «الضسارة» ليس أنها تدفع شخصا إلى تحدي شرطي، بل أن تتحول إلى اعتقاد بأن تحدي القانون ممكن، وأن الدولة قد تتعايش مع ذلك.
عند هذه النقطة، لا يعود الحزم خيارا في تدبير الأمن العام، بل ضرورة لحماية المجتمع من منطق الفوضى.
فحين يُترك رجل الأمن وحيدا في مواجهة الاستهتار، لا يكون الذي يتراجع هو احترام الزي الرسمي وحده، بل الثقة في قدرة القانون على حماية الجميع.









