شهدت إحدى المباريات الأخيرة ضمن منافسات كأس افريقيا لكرة القدم ، عقب الإقصاء والخسارة لأحد المنتخبات التي كانت تحلم الحصول على الكأس بالتمني وليس بالعمل الميداني ، صدور سلوكيات من طرف مجموعات من المشجعين المشحونين فكريا ونفسيا، تمثلت في أفعال رمزية و تخريبية، من بينها تمزيق أوراق نقدية للبلد المنظم أمام عدسات الكاميرات، كتعبير انفعالي عن الغضب ورفض نتائج الهزيمة أمام نسور نيجيريا، وكإتهام خيالي للتحكيم والهيئات المنظمة بالفساد.
هذه الأفعال، وإن صدرت عن فئة محدودة من الانصار ، إلا أنها تطرح إشكالية أعمق تتجاوز الواقعة ذاتها، وتتعلق بثقافة التشجيع، وحدود التعبير الرياضي، ومستوى النضج الكروي الاحترافي لدى بعض الجماهير المنتمية لشمال أفريقيا في لحظة الخسارة.
فكرة القدم بطبيعتها تثير المشاعر القوية، وهي جزء من جمال اللعبة وشعبيتها ، غير أن الفرق الجوهري بين الثقافة الرياضية الناضجة والثقافة الانفعالية الهشة، يكمن في القدرة على تقبّل الخسارة دون تحويلها إلى فعل عدائي، رمزي أو مادي، يمس النظام العام للبلد المنظم ، أو الرموز الوطنية المحمية قانوناً أو صورة الرياضة ذاتها.
فمن الناحية القانونية، فإن مثل هذه الأفعال لا تُعد تعبيراً مشروعاً عن الرأي، بل تُصنَّف ضمن الأفعال المجرّمة متى مست ممتلكات أو رموزاً يحميها القانون، كما هو الحال بالنسبة لإتلاف العملة الوطنية عمداً، الذي يُعد مساساً بالثقة العامة والسيادة النقدية، ويُرتّب مسؤولية جنائية بغض النظر عن الدافع أو السياق الانفعالي.
وهنا يبرز الفرق الجوهري بين حرية التعبير، التي هي حق مكفول، وبين السلوك المخالف للقانون، الذي لا يمكن تبريره بالغضب ولا بالاحتجاج ولا بخيبة الأمل الرياضية.
أما من زاوية التنظيم، فإن مسؤولية اللجنة المنظمة لا تقوم على معاقبة النوايا، بل على ضبط السلوك داخل الفضاء الرياضي، وتفعيل لوائح الانضباط، واتخاذ تدابير وقائية وتربوية تحول دون تحوّل الملاعب إلى فضاءات للتوتر أو الاستفزاز أو التخريب الرمزي، بدل أن تبقى فضاءات للفرجة والتقارب والتنافس الشريف.
فمن حيث الواقع ، تكشف هذه الظواهر أن الانتقال من كرة القدم بوصفها لعبة، إلى كرة القدم بوصفها ثقافة احترافية، لا يمر فقط عبر تطوير الملاعب واللاعبين والحكام، بل يمر أيضاً عبر تطوير وعي الجماهير، وترسيخ قيم تقبّل الخسارة، واحترام القواعد، والتمييز بين الخصومة الرياضية والعداء.
فالرياضة الحديثة ليست فقط مسابقة، بل مدرسة في السلوك المدني، والاحترام المتبادل، والانضباط الذاتي. وكلما عجزنا عن ضبط ردود أفعالنا في لحظة الخسارة، كلما كشفنا أننا ما زلنا بعيدين عن النضج الكروي الاحترافي الحقيقي.
الخسارة تُختبر في الملعب، أما النضج فيُختبر بعد صافرة النهاية
ذ/ مصطفى يخلف
رئيس المركز المغربي للقانون الرياضي
















