في قاعات مدريد السرية، حيث تتقاطع الدبلوماسية الدولية مع مصالح الدول، يبدو أن ملف الصحراء المغربية يقترب من منعطف تاريخي. جولة المفاوضات الجديدة، التي مددت إلى الإثنين الماضي، لم تكن مجرد لقاء روتيني، بل كانت لحظة مواجهة حاسمة. تحت ضغط دولي غير مسبوق، يجد الجانب الجزائري وجبهة البوليساريو نفسيهما أمام خيارات محدودة، مع تزايد الإجماع الدولي على مبادرة الحكم الذاتي المغربية كحل واقعي ومستدام. لكن التوجس يسيطر على تندوف والعاصمة الجزائرية، خوفاً من تحولات جديدة قد تنهي عقوداً من النزاع المفتعل. في هذا التقرير، نغوص في كواليس هذه المفاوضات، نستعرض الضغوط والمناورات، ونحلل ما قد يعنيه للمنطقة إذا نجحت في وضع حد للأزمة.
خلفية المفاوضات في مدريد: من سرية إلى ضغط مكشوف
بدأت جولة مدريد كمفاوضات “سرية” في مقر إقامة السفير الأمريكي، لكنها سرعان ما امتدت إلى يوم إضافي، الإثنين، بسبب التعقيدات. يقود الجانب الأمريكي مسعد بولس، مستشار الرئيس دونالد ترامب للشؤون العربية، الذي يفرض جدولاً زمنياً صارماً يهدف إلى التوصل إلى اتفاق إطار نهائي يُوقع في واشنطن بحلول مايو المقبل. هذا الجدول ليس مجرد اقتراح، بل ضغط مباشر مدعوم من الاتحاد الأوروبي، يهدف إلى إنهاء النزاع المفتعل الذي استنزف موارد المنطقة لعقود.
- الأطراف المشاركة: المغرب، الجزائر، موريتانيا، جبهة البوليساريو، إضافة إلى المبعوث الأممي ستافان دي ميستورا ومستشار الرئيس الأمريكي.
- المحور الرئيسي: مناقشة “النسخة الموسعة” من مبادرة الحكم الذاتي المغربية، التي أعدتها الرباط لتكون أكثر شمولاً، مع التركيز على تشكيل لجنة تقنية دائمة تضم قانونيين وخبراء تحت إشراف أمريكي-أممي لصقل التفاصيل وتنزيلها على أرض الواقع.
- السياق التاريخي: منذ تقديم المبادرة المغربية عام 2007، حظيت بدعم متزايد، خاصة بعد اعتراف الولايات المتحدة بمغربية الصحراء في 2020، وانضمام دول أوروبية مثل فرنسا وإسبانيا إلى هذا التوجه.
هذه المفاوضات ليست مجرد حوار، بل محاولة لفرض واقع جديد يعترف بسيادة المغرب على الصحراء، مع منح الحكم الذاتي كحل سياسي متوازن يضمن حقوق السكان المحليين.
الضغط الدولي على الجزائر والبوليساريو: مناورات في مواجهة “الأمر الواقع”
يُعد الضغط الدولي الحالي غير مسبوق، حيث تُصر واشنطن على أن مبادرة الحكم الذاتي هي “الوثيقة الوحيدة الواقعية” على الطاولة، مع استبعاد أي اقتراحات أخرى تُعتبر “متجاوزة” وغير قابلة للتطبيق. الجانب الأمريكي، مدعوماً من أوروبا، يدفع للتخلي عن الشعارات القديمة مثل “الاستفتاء”، التي لم تتقدم منذ عقود بسبب التعقيدات الديمغرافية والسياسية.
- دور الولايات المتحدة: يقود بولس الضغط بجدول زمني صارم، يهدف إلى إنهاء النزاع قبل أن يؤثر على استقرار المنطقة، خاصة في ظل التوترات في البحر الأحمر والساحل الإفريقي.
- الدعم الأوروبي: فرنسا وإسبانيا، كقوتين مؤثرتين، تدعمان الموقف المغربي، مع التركيز على فوائد الحل لأمن الطاقة والهجرة غير النظامية.
- ردود الفعل في الجزائر وتندوف: تسود حالة من التوجس والقلق، حيث يُخشى من “انعطافة” تنهي الملف في غير صالح الجانب الجزائري. المصادر تتحدث عن محاولات مناورة بتمسك بمواقف تقليدية “أكل عليها الدهر وشرب”، لكنها تواجه إجماعاً دولياً متزايداً يرفضها كغير واقعية.
العزلة الدولية لأطروحة الانفصال أصبحت واضحة، مع دعم أكثر من 100 دولة للمغرب، بما في ذلك دول إفريقية وأمريكية وأوروبية، ما يجعل الموقف الجزائري أكثر صعوبة في الحفاظ على دعمه التقليدي.
القلق في تندوف والجزائر: عزلة متزايدة وتحولات دولية مخيفة
في مخيمات تندوف والعاصمة الجزائر، يسيطر التوجس من “تحولات جديدة” قد تنهي النزاع المفتعل بشكل نهائي. القلق ينبع من عدة عوامل:
- الدعم الدولي المتزايد للمغرب: اعترافات متتالية بسيادة المملكة على الصحراء، وفتح قنصليات في العيون والداخلة من قبل دول إفريقية وعربية.
- الضغط الاقتصادي: المغرب يقدم مشاريع تنموية كبرى في الصحراء، مثل ميناء الداخلة الأطلسي، ما يجعل الحكم الذاتي خياراً جذاباً للسكان المحليين.
- المناورات الجزائرية: التمسك بمواقف تقليدية مثل “الاستفتاء” يُواجه رفضاً دولياً، حيث يُعتبر غير قابل للتطبيق بسبب التعداد السكاني المتنازع عليه والظروف الأمنية.
محللون يرون أن الجزائر تواجه معضلة: الاستمرار في دعم البوليساريو يُكلفها اقتصادياً وسياسياً، خاصة مع عزلتها في المحافل الدولية، بينما القبول بالحكم الذاتي قد يُنهي دورها في الملف، لكنه قد يفتح باب المصالحة الإقليمية.
الحكم الذاتي: الحل الواقعي الوحيد في مواجهة المناورات
يُصرّ المجتمع الدولي على أن مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية هي الحل الوحيد الواقعي والمستدام، كما أكدته قرارات مجلس الأمن الأخيرة. النسخة الموسعة التي أعدتها الرباط تشمل:
- حقوق واسعة للسكان: إدارة محلية للشؤون الاقتصادية، الثقافية، والاجتماعية.
- ضمانات دولية: مراقبة أممية للتنفيذ.
- فوائد إقليمية: إعادة فتح الحدود مع الجزائر، استئناف الرحلات الجوية، وتشغيل أنبوب الغاز المغرب-أوروبا.
هذا الحل يُعتبر “إجماعاً دولياً”، مع رفض أي مناورات تهدف إلى إطالة النزاع. محللون يؤكدون أن أي رفض من الجزائر أو البوليساريو سيؤدي إلى مزيد من العزلة، خاصة مع الدعم الأمريكي الصريح للمغرب.
آفاق المستقبل: جولة مدريد حاسمة للمنطقة
إذا نجحت جولة مدريد في دفع الأطراف نحو التوقيع على اتفاق إطار، فإنها ستكون بداية لمصالحة إقليمية تشمل إعادة فتح الحدود، تعزيز التجارة، واستقرار الساحل. لكن إذا استمرت المناورات، قد يطول النزاع، مع تكاليف إنسانية واقتصادية كبيرة. الرباط تبدو مطمئنة، مع دعم دولي متزايد، بينما يبقى التوجس سيد الموقف في تندوف والجزائر.
في النهاية، ملف الصحراء لم يعد مجرد نزاع إقليمي، بل قضية استقرار قارة بأكملها، وجولة مدريد قد تكون البداية الحقيقية لنهاية طويلة الأمد.
















