متى كان السياسيون أولياء الله؟!

هيئة التحرير9 يونيو 2024آخر تحديث :
متى كان السياسيون أولياء الله؟!

رغم تلقي حزبه صفعة مدوية في انتخابات الثامن شتنبر 2021، بسبب تدبيره السيء للشأن العام على مدى ولايتين متتاليتين قاد فيهما الحكومة (2012/2021). حيث أنه تقهقر من الرتبة الأولى إلى الرتبة الثامنة، ولم يحصل سوى على 13 مقعدا فقط بمجلس النواب بعد أن كان يتوفر على 125 مقعدا في انتخابات 2016، وذلك عقابا له على ما اتخذه من إجراءات وقرارات قاسية، أجهزت على أهم المكتسبات الاجتماعية من إضراب وتقاعد وغيرهما، وأدت إلى إنهاك القدرة الشرائية للطبقات الفقير والمتوسطة، إثر رفع الدعم عن المحروقات، إقرار نظام التعاقد في سلك التعليم وما ترتب عنه من إضرابات متوالية، انعكست سلبا على مستوى المتعلمات والمتعلمين.

      مازال عبد الإله ابن كيران الأمين العام لحزب العدالة والتنمية ورئيس الحكومة الأسبق وصاحب أكبر معاش استثنائي بقيمة 70 ألف درهم شهريا، يصر على محاولة خلق الحدث وسرقة الأضواء من حول شخصيات يعتقد أنها باتت تهدد شعبيته والحد من سماع صوته وتردد صورته، مثل عبد اللطيف وهبي وزير العدل والأمين العام لحزب الأصالة والمعاصر، أو ادريس لشكر الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي، بل وحتى عبد المجيد تبون الواجهة المدنية للنظام العسكري الجزائري، إذ يريد أن يظل وحده ذلك “المصباح” المنير، الذي لا تطفئه هبوب الرياح ولا العواصف السياسية مهما اشتدت حدتها.

      فبصرف النظر عما ظلت تثيره خرجاته الإعلامية غير المحسوبة العواقب من ردود فعل غاضبة، حيث لم يكن يترك حدثا كيفما كان نوعه يمر دون أن يحشر فيه أنفه، ويسارع إلى فتح قاموس شتائمه، غير عابئ بما يخلفه لسانه الحاد من جروح عميقة حتى لأقرب الناس إليه من إخوان الأمس القريب، ولاسيما بعد إعفائه من تشكيل حكومته الثانية عام 2016 بسبب إخفاقه في تحقيق توافق مع حلفائه المفترضين في تكوين فريق حكومي، واندحار حزبه في انتخابات يوم الأربعاء 8 شتنبر 2023.

      وبعيدا عما أثاره بيان الأمانة العامة للحزب من غضب شديد سواء داخل الحزب نفسه أو خارجه، لربط زلزال الحوز بالذنوب والمعاصي أو ما اعتبره ابن كيران عقابا ربانيا، إذ شدد في ذات البيان على أن “السؤال المطروح ليس فقط عن المخالفات الفردية وإنما عن الذنوب والمعاصي والمخالفات بالمعنى السياسي وتلك الموجودة في الحياة السياسية عامة والانتخابات والمسؤوليات والتدبير العمومي وغيرها”. وهو ما جوبه باستياء عميق ليس فقط من قبل ضحايا الزلزال وعامة المواطنين، بل حتى من داخل الحزب نفسه، حيث اعتبر بعض القياديين أن البيان يشكل انتكاسة صارخة في خطاب الحزب وضربا لمساعيه في استرداد شعبيته المفقودة، فيما انتقد البعض الآخر بشدة هذا الاتجاه الخرافي لكبيرهم، كما أن هناك من أعلن عن استقالته رافضا ما ذهب إليه البيان من خلط، بل ورأى فيه انتحارا سياسيا سيكون له ما بعده.

      فإن المثير للجدل والاستغراب هو أن يستغل ابن كيران فرصة ترؤسه المهرجان الخطابي الذي نظم يوم الأحد 21 أبريل 2024 بمدينة فاس في إطار دعم مرشح الحزب “محمد خيي” للانتخابات الجزئية بدائرة فاس الجنوبية التي تقرر إجراؤها يوم الثلاثاء 23 أبريل 2024 ويضع عمدة مدينة فاس السابق ادريس الأزمي الإدريسي في مرتبة “أولياء الله”، عندما قال: “الأزمي ولي من أولياء الله وخاص أهل فاس يديرو صلاة الشكر عليه، لأنه حين كان يتقلد منصب عمدة فاس لم يفكر في جلب برج إيفل كما فعل واحد “الصكع”، في إشارة إلى عمدة فاس الأسبق والأمين العام السابق لحزب الاستقلال حميد شباط.

      ترى كيف يكون وليا من أولياء الله من كانت مصالحه الشخصية والحزبية الضيقة أكبر همه في هذه الحياة الفانية، الجمع بين التعويضات على المسؤوليات، تدريس أبنائه في أرقى البعثات الفرنسية وتضليل المواطنين؟ فالأزمي لم يعد اسمه يذكر إلا مقرونا بعبارته الشهيرة “بيليكي” منذ أن دافع بقوة عن تعدد التعويضات التي يحصل عليها المنتخبون مقابل ما يقومون به من مهام، إبان شروع مجلس النواب في مناقشة تصفية معاشات أعضائه، في وقت يواجه فيه المغرب عدة معضلات كارتفاع معدلات الفقر والبطالة وما خلفه تفشي “كوفيد-19” من تداعيات اقتصادية، حيث قال حينها وهو يخبط بقبضة يده على الطاولة “واش بغيتو البرلماني يخدم بيليكي؟” أي بالمجان ودون تعويض، مدعيا أنه لولا التعويضات لانتشرت الرشوة بين المنتخبين، وما إلى ذلك من مغالطات وتشويه الحقائق…

       إننا لا نعلم من أسماء “أولياء الله” المغاربة الحقيقيين سوى عشرة حسب تاريخ المغرب، اللهم إلا إذا أصبح لقب “ولي الله” يعطى في هذا الزمن الرديء للفاعل السياسي “المتأسلم”، الذي يملك القدرة على الدهاء والتلاعب بعقول البسطاء، لكن الذي يستحقه أكثر من غيره ليس هو ادريس الأزمي الإدريسي التلميذ بل أستاذه عبد الإله ابن كيران، لأنه هو القائد الذي يحسن ازدواجية الخطاب، قول الشيء ونقيضه، خلط الدين بالسياسية وذرف دموع التماسيح لاستدرار عطف المواطنين، بيد أن ذلك كله لم يعد ينفعه في شيء، ولا أدل على ذلك أكثر من تلقي مرشح حزبه هزيمة أخرى نكراء أمام مرشح حزب غريمه السياسي أخنوش، خلال الانتخابات الجزئية المشار إليه أعلاه.

 

الاخبار العاجلة