بعد ثلاثة أشهر على اعتراف صريح بمغربية الصحراء في رسالة رسمية للملك محمد السادس، يحل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، اليوم الإثنين، بالمغرب في زيارة دولة ستدوم ثلاثة أيام. ويعول عليها كثيرًا لطي نهائي لصفحة “توترات” وفتح صفحة جديدة بين الرباط وباريس، يطبعها الوضوح والمصلحة المشتركة.
أستاذ القانون الدولي والعلاقات الدولية، محمد تاج الدين الحسيني، اعتبر أن هذه الزيارة منعطف تاريخي في علاقات المغرب وباريس، بعد الغيوم التي هيمنت عليها لسنوات وكادت تؤدي إلى قطيعة بسبب الموقف المتشنج الذي عبر عنه الرئيس الفرنسي آنذاك فيما يتعلق بالإقرار بمغربية الصحراء، في وقت كانت بلدان أخرى لا تربطها نفس العلاقات مع المغرب ومع ذلك أخذت مواقف جد متقدمة كما هو الشأن بإسبانيا وألمانيا وقبلهما الولايات المتحدة الأمريكية.
وسجل الحسيني، في تصريح لجريدة “مدار21” الإلكترونية، أن المغرب لم يكن يتفهم إطلاقًا أن فرنسا، والتي تعتبر بلدا صديقا للمغرب وله معها علاقات جد متقدمة على المستوى الثقافي والاجتماعي والاقتصادي وفي كل المجالات، تبقى في تلك الوضعية متحفظة. وهو ما عبر عنه العاهل المغربي بوضوح حين أكد أن قضية الصحراء بمثابة المنظار الذي ينظر به المغرب إلى العالم والمعيار الذي يحدد صدق الصداقات ونجاعة الشراكات.
ويرى أستاذ العلاقات الدولية والقانون الدولي أن متخذي القرار الفرنسيين استجابوا لذلك وأدركوا في نفس الوقت أن مغرب اليوم ليس هو مغرب الأمس وأنه أصبح اليوم يشكل قوة إقليمية بالمعنى السليم للكلمة، وأنه يمكن الاعتماد عليه في العديد من الرهانات الكبرى التي تعيشها فرنسا، ليس فقط مع المنطقة المغاربية ولكن حتى مع قلب إفريقيا.
وقال إن هذه الاستجابة كانت واضحة وصريحة “وبالعكس من ذلك متقدمة على باقي البلدان الأخرى، لدرجة أن الرئيس الفرنسي أشار في رسالته إلى أنه بالنسبة لفرنسا، حاضر الصحراء ومستقبلها لا يمكن أن يحسب أو ينظر إليه إلا في ظل السيادة المغربية، وهذا اعتراف صريح ليس فقط بما سيأتي من الأيام، ولكن بشكل راهني ومباشر ومستمر في المستقبل”.
ولفت تاج الدين الحسيني إلى أن رسالة ماكرون للملك محمد السادس تضمنت كذلك موقفًا أكثر وضوحًا ويتمثل في الاستعداد الكامل لفرنسا بأن تدعم الاستثمارات الضرورية وبالتعاون مع المغرب في تنمية إقليم الصحراء بكل الوسائل وفي كل المجالات، مشيرًا إلى أن أحسن رد فعل من العاهل المغربي كان توجيه الشكر باسمه وباسم المغاربة له خلال خطابه السيادي أمام البرلمان بغرفتيه.
وأضاف موضحًا “بالتالي هذه الزيارة تأتي وترموميتر العلاقات المغربية الفرنسية يسير في أحسن وضعية يمكن أن يكون عليها، وأعتقد أن كل ما حدث سيكون له ما بعده في كل المجالات التي تؤطر العلاقات الثنائية، أولاً وقبل كل شيء بين المغرب وفرنسا؛ ثم علاقتهما مع الجوار الإقليمي والقاري”.
وفيما يتعلق بإمكانية افتتاح قنصلية فرنسية بالصحراء المغربية، والتي كانت قد تحدّثت عنها وسائل إعلام فرنسية، قال محمد تاج الدين الحسيني، إن “كل هذه الاحتمالات تبقى ممكنة ولكن الشيء الأكيد والأساسي من هذه الزيارة هو أنها ليست زيارة عادية، بل زيارة دولة”.
وأبرز في السياق ذاته أن معنى زيارة دولة في المصطلحات الدبلوماسية هو أن الأمر يتعلق بدخول مرحلة جد متطورة وجد إيجابية وذات طبيعة استراتيجية عميقة في العلاقات بين الطرفين، “ولهذا سنلاحظ مثلاً أن الرئيس الفرنسي سيلقي خطابًا أمام البرلمان المغربي بغرفتيه، وهذا حدث مهم في تاريخ العلاقات بين الرباط وباريس”.
وذكر الخبير في العلاقات الدولية أن العاهل المغربي الراحل الحسن الثاني سبق له أن ألقى خطابًا في الجمعية الوطنية الفرنسية في وقت مضى، وفي وقت كانت فيه العلاقات المغربية الفرنسية في أوجها، مسجلاً أن إلقاء هذه الكلمة من طرف ماكرون اليوم سيكون له كذلك أهمية كبرى في تطور هذه العلاقات.
وأضاف “لكن أكثر من هذا، الرئيس الفرنسي لا يأتي منفردًا، بل مرفوقًا بوزير الداخلية ووزير الدفاع، وهذا يوضح أن التعاون سيشمل كذلك مجالات متعددة. فبالنسبة للأول، سيشمل مسألة الهجرة وتنظيم علاقات المغاربة الموجودين على التراب الفرنسي وضبط عدة أوجه تعاون بين الجهات المغربية والجهات الفرنسية، لأن مفهوم التعاون الاقتصادي أصبح يفهم في إطار التعاون بين الجهات”.
وعلى المستوى العسكري، أفاد الحسيني أن هناك إمكانيات كبيرة في التعاون، خاصة فيما يتعلق بتصنيع بعض الأسلحة فوق التراب المغربي وفي تمكين القوات المسلحة من تقنيات جديدة متعلقة بوسائل الدفاع.
ويرى المتحدث أن الرئيس الفرنسي سيكون كذلك من أولوياته أن يدفع بالشركات الفرنسية الكبرى للدخول في المشاريع المهمة التي يعرفها المغرب، لافتًا إلى أن المملكة تشهد مشاريع جد متطورة في ميدان الطاقات النظيفة، سواء بالنسبة للطاقة الريحية أو الطاقة الشمسية أو المشاريع التي يشرع في تنفيذها على تراب الأقاليم الجنوبية، الخاصة بالهيدروجين الأخضر.
وأشار إلى أن الحوار المغربي الفرنسي سيمتد بالضرورة إلى دور جديد للمملكة في هذه المنطقة من العالم، فالمغرب سيعتبر من الآن فصاعدًا بالنسبة لفرنسا، هو الوسيط الأمثل في إطار علاقات رابح رابح وتطبعها الندية والاعتماد المتبادل، مع بلدان إفريقيا الغربية ومع بلدان الساحل على الخصوص، والتي عرفت تدهورًا بارزًا.
“وهذا التدهور في العلاقات جاء من جهة بعد الانقلابات العسكرية، وجاء أكثر من ذلك في إطار انعدام الثقة بين الطرفين مما أدى إلى سحب القوات الفرنسية، سواء من تشاد أو من مالي أو غيرها، وبالتالي اليوم فرنسا التي هي في حاجة إلى الاستمرار في التعاون مع بلدان إفريقيا جنوب الصحراء، تحتاج لوساطة المغرب”، يضيف تاج الدين.
كما سجل في حديثه للجريدة أن المغرب له اليوم مشروع كبير يهم ما يسمى الدول المطلة على المحيط الأطلسي، والتي تعني 23 دولة بشكل أساسي، إلى جانب مجموعة من بلدان الساحل التي قامت بإدماجها المملكة، والتي ليست لها شواطئ، ولكنها ستستفيد من الموانئ واللوجستيك ووسائل العمل.
وأكد أن هذه الحركية وكون أن المغرب ثاني مستثمر على المستوى الإفريقي بعد جنوب إفريقيا، وأول مستثمر في إفريقيا الغربية، يجعل منه دولة لها الكثير لتقدمه لفرنسا في هذه العملية المستمرة سواء على مستوى اللوجستيك أو على مستوى البنوك أو الطيران والمقاولات، خاصة أن المقاولات المغربية أصبحت لها يد قوية داخل المشاريع الكبرى في بلدان القارة “وفرنسا تدرك هذا بالفعل وتعلم أن هذا التعاون إذا مر عن طريق المغرب سيكون ناجحًا بكل المقاييس”.
وأوضح أن هناك مشاريع مغربية أخرى من الممكن أن تتعاون فيها فرنسا مع المملكة في عدد من المناحي، أبرزها المعامل الكبرى للأسمدة الصناعية وخط الغاز بين المغرب ونيجيريا الذي هو الآن في طور الدراسة، وحصلت الرباط على مساعدات مهمة بخصوصه من دول عربية، أولها الإمارات في إطار الاتفاق الاستراتيجي الذي وقع بين الدولتين، مشيرًا إلى أن باريس مدعوة كذلك لدعمه ومساعدة الرباط على مستوى التكنولوجيا.
على مستوى السكك الحديدية، لفت الخبير في العلاقات الدولية إلى أن المغرب له مشاريع طموحة جدًا فيما يتعلق بإيصال القطار السريع نحو مراكش وحتى أكادير، معتبراً أن هذه العملية تتطلب ربما عودة الشركات الفرنسية الرائدة مجددًا للمغرب للمشاركة في المنافسات المتعلقة بهذا المشروع، إضافة إلى المشاريع كأس إفريقيا لكرة القدم 2025 وكأس العالم 2030.
وبهذا الصدد أضاف: “لائحة المشاريع طويلة جدًا، وهذا سيحقق المصلحة المشتركة لكل من فرنسا والمغرب، وربما ستفتح فيه عدة أبواب على مستوى قضية الصحراء، ففرنسا ليست بالدولة البسيطة، بل دولة تندرج في المرتبة الرابعة بين مجموعة البلدان الصناعية السبعة”.
كما أبرز أن فرنسا عضو فاعل في مجموعة العشرين التي تضم دولًا غنية ومهمة، وتتزعم المجموعة الفرنكوفونية التي تضم حوالي 74 دولة، وكذلك عضو دائم في مجلس الأمن ولها حق الفيتو، مسجلاً أن هذه الوضعية التي تتمتع بها باريس تعطيها دورًا أكثر فعالية على المستوى الدبلوماسي وعلى مستوى استقطاب دول أخرى لتعترف بالسيادة المغربية وتحذو حذوها.
وقال إنه يعتقد جازمًا أن زيارة ماكرون للمغرب سيكون لها ما بعدها وسوف تنتج آثارًا مهمة لا يمكن أن تحسب بالسنين بل خلال العشرات منها، “اليوم سيكون الحديث عن تعاون سيستمر خلال الثلاثين سنة المقبلة”، مؤكدًا أن “طبيعة السيادة لهذا التعاون لا يمكن التشويش عليها”.
















