تتأهب البطولة الاحترافية الأولى لدخول مرحلة جديدة على مستوى التحكيم، بعد إعلان المديرية الوطنية للتحكيم، عن اعتماد تقنية التسلل نصف الآلي SAOT بداية من الموسم الرياضي المقبل، في خطوة تعكس توجها واضحا نحو إدخال الذكاء الاصطناعي بشكل أكبر إلى منظومة “الفار”، وتقليص هامش الخطأ البشري في واحدة من أكثر الحالات التحكيمية إثارة للجدل داخل كرة القدم.
وكشف رضوان جيد، مدير المديرية الوطنية للتحكيم، خلال اللقاء التواصلي الذي نظمته المديرية بمركب محمد السادس لكرة القدم يوم أمس الخميس 7 ماي، أن الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم تعاقدت مع مؤسسة Genius Sports عبر منصتها GeniusIQ، من أجل إدخال تقنية التسلل نصف الآلي SAOT إلى البطولة الاحترافية، مشيرا إلى أن هذا المشروع يعد استثمارا مكلفا، لكنه ضروري لمواكبة التطور التكنولوجي الذي تعرفه كرة القدم العالمية.
وقال جيد إن الكاميرات المثبتة في الملاعب ستوفر هذه التقنية الجديدة، مضيفا: “نشتغل حاليا بـ16 كاميرا في بعض المباريات وبعدد أقل في مباريات أخرى حسب خصوصية الملاعب وأهمية المباريات، لكن الذكاء الاصطناعي بفضل تقنية SAOT سيمكننا من تحسين الأداء في حالات التسلل بدون تدخل يدوي من الفار، بل سيعطينا مسافة التسلل بالضبط حتى لو كانت مليمترية، مع توفير 14 زاوية مختلفة للحالة”.
ما هي تقنية SAOT؟
تقنية SAOT أو “التسلل شبه الآلي”، هي نظام متطور يعتمد بشكل أساسي على الذكاء الاصطناعي والتتبع الآلي لتحليل وضعية اللاعبين والكرة بشكل لحظي، بهدف اتخاذ قرارات أكثر دقة وسرعة في حالات التسلل.
وتقوم هذه التقنية على استخدام كاميرات مدعومة بالذكاء الاصطناعي، قادرة على التقاط ما يصل إلى 10 آلاف نقطة بيانات لكل لاعب في الثانية الواحدة، مما يسمح بإنشاء نموذج ثلاثي الأبعاد دقيق لتحركات اللاعبين فوق أرضية الملعب.
وتعتمد منصة GeniusIQ على معالجة كم هائل من البيانات البصرية عبر تقنيات التعلم الآلي، لتحليل كم هائل من المعطيات في أجزاء صغيرة جدا من الثانية، وهو ما يسمح بإرسال تنبيهات فورية حول حالات التسلل، مع إنتاج رسوم ثلاثية الأبعاد جاهزة للبث التلفزيوني والشاشات العملاقة داخل الملاعب.
واحدة من أبرز نقاط قوة هذه التقنية، تتمثل في قدرتها على تقليص مدة التحقق من حالات التسلل من حوالي 70 ثانية في تقنية “الفار” التقليدية، إلى ما بين 20 و30 ثانية فقط في تقنية SAOT.
كيف تختلف SAOT عن “الفار” التقليدي؟
الفرق الجوهري بين النظامين، يتمثل في حجم التدخل البشري. في تقنية “الفار” التقليدية، يعتمد الحكم المساعد للفيديو على كاميرات البث التلفزيوني العادية، مع رسم خطوط التسلل بشكل يدوي، وهو ما يفتح الباب أمام النقاشات المرتبطة بزوايا التصوير ودقة اختيار لحظة تمرير الكرة.
أما في تقنية SAOT، فالأمر يتم بشكل شبه أوتوماتيكي بالكامل، حيث تقوم الكاميرات والذكاء الاصطناعي بتحديد نقطة تمرير الكرة وموقع اللاعبين بشكل آلي، دون الحاجة إلى رسم الخطوط يدويا.
وتشتغل التقنية الجديدة بمائة “فريم” في الثانية الواحدة، بدل 25 صورة فقط في النظام الحالي، وهو ما يمنح دقة أكبر بكثير في تحديد اللحظة الصحيحة للحالة.
كما تعتمد SAOT على ثلاث تقنيات مختلفة لمعالجة حالات التسلل، تشمل الخط ثنائي الأبعاد، وتقنية الإسقاط الأرضي، ثم نظام التثليت، الذي يقوم على تنسيق جميع الكاميرات لاختيار اللحظة الدقيقة للحالة.
وتعتمد التقنية الحديثة على تتبع آلي لـ10000 نقطة في الثانية، مع رسم خطوط تلقائي وفق تقنية ثلاثية الأبعاد، عوض الرسم اليدوي للخطوط، الذي يُعتمد عليه حاليا. وتقلل SAOT أيضا من التوقفات بنسبة 50 في المائة تقريبا، وتحسن الشفافية بصور ثلاثية الأبعاد خضراء وحمراء للتسلل من عدمه، على عكس “الفار”.
سرعة أكبر وأخطاء أقل
الأرقام التي حققتها التقنية في الدوريات الكبرى تعكس حجم التطور الذي تقدمه مقارنة بـ”الفار” التقليدي. ففي الدوري الإنجليزي الممتاز، حققت تقنية SAOT خلال موسم 2024-2025 دقة بلغت 100 بالمائة في قرارات التسلل، مع تقليص متوسط وقت اتخاذ القرار بشكل كبير.
كما ساهمت التقنية في تقليص فترات التوقف المرتبطة بحالات التسلل بنسبة تقارب 50 بالمائة، مع تقديم رسوم ثلاثية الأبعاد فورية توضح للجماهير بشكل دقيق ما إذا كانت الحالة تسللا أم لا.
وتسمح التقنية أيضا بتقليص التدخل البشري بشكل كبير، وهو ما يقلل احتمالات الوقوع في أخطاء مرتبطة بالرسم اليدوي للخطوط أو سوء اختيار زاوية التصوير.
من كأس العالم إلى البطولة الوطنية
تقنية SAOT ليست جديدة على كرة القدم العالمية، بل أصبحت حاضرة بقوة في أكبر المسابقات الدولية. وكان كأس العالم 2022 بقطر أول محطة كبرى تعتمد فيها التقنية بشكل رسمي، حيث أثارت الانتباه منذ المباراة الافتتاحية بين قطر والإكوادور، عندما تم إلغاء هدف للإكوادور بسبب حالة تسلل دقيقة للغاية، تم رصدها عبر النظام شبه الآلي.
كما استُخدمت التقنية في أكثر من 100 حالة تسلل خلال مونديال قطر، وساهمت في تسريع القرارات وتقليص الجدل التحكيمي.
بعد ذلك، توسع استخدام SAOT ليشمل دوري أبطال أوروبا بداية من موسم 2022-2023، وكأس آسيا 2023، ويورو 2024، إلى جانب الدوريات الكبرى مثل الدوري الإنجليزي والدوري الإسباني والدوري الإيطالي.
وفي الدوري الإنجليزي الممتاز، بدأت التقنية تُستخدم في جميع المباريات انطلاقا من الجولة 32 لموسم 2024-2025، إلى جانب مباريات كأس الاتحاد الإنجليزي وملحق الصعود الخاص بأندية الدرجة الثانية.
وحققت التقنية هناك نسبة دقة بلغت 100 بالمائة في قرارات التسلل، مع تقليص وقت التحقق إلى ما بين 20 و30 ثانية فقط، إضافة إلى توفير رسوم ثلاثية الأبعاد فورية تساعد الجماهير والحكام على فهم الحالات بشكل أوضح، بعدما تم استخدامها في مئات المباريات دون تسجيل مشاكل تقنية تذكر.
أما في الدوري الفرنسي، فقد تم اعتماد SAOT بداية من موسم 2023-2024 في إطار شراكة مع الاتحادين الأوروبي والدولي لكرة القدم، قبل توسيع نطاق استخدامها خلال سنة 2025.
وساهمت التقنية في تقليص فترات التوقف بنسبة تقارب 50 بالمائة في فرنسا، كما دعمت قرارات تحكيمية مهمة في مباريات كبيرة مثل مواجهة باريس سان جيرمان وأولمبيك مارسيليا.
وشملت شراكات Genius أيضا الدوري البلجيكي، الذي يعد أول دوري أوروبي يعتمد التقنية بشكل متواصل وكامل، حيث ساهمت SAOT في تقليص مدة اتخاذ القرار بحوالي 30 ثانية في كل حالة تسلل.
وفي البرازيل، تم التوصل إلى اتفاق لاعتماد التقنية بداية من سنة 2026 في الدوري البرازيلي وكأس البرازيل، مع تركيب 30 كاميرا داخل الملاعب، في خطوة تهدف إلى تقليص الأخطاء البشرية والتوقفات الطويلة، استنادا إلى النتائج الإيجابية التي حققتها التقنية في الدوري الإنجليزي.
كما تم اعتمادها في مسابقات اتحاد أمريكا الجنوبية، مثل كأس ليبيرتادوريس وكأس “سود أمريكانا”، حيث استُخدمت في مئات المباريات مع اعتماد آليات أوتوماتيكية لتحديد لحظة تمرير الكرة وإنتاج رسوم بصرية في ظرف ثوان قليلة، خاصة خلال نهائيات سنة 2024.
أما الدوري الإسباني، فقد دخل بدوره في شراكة لاعتماد SAOT بداية من سنة 2024، بعدما أثبتت الاختبارات التي أجريت عليها دقة كبيرة بلغت 100 بالمائة في بعض الحالات المعقدة، مع مساهمة واضحة في تقليص فترات التوقف خلال مراجعة التسللات الضيقة.
حالات شهيرة صنعت الجدل
عدة مباريات عالمية عرفت تدخل تقنية SAOT في قرارات حاسمة. ففي كأس العالم 2022، ألغت التقنية هدف الإكوادور الأول في شباك قطر خلال المباراة الافتتاحية بسبب تسلل دقيق للغاية، في قرار أثار نقاشا واسعا وقتها.
وفي دوري أبطال أوروبا موسم 2022-2023، أُلغي هدف هاري كين القاتل لصالح توتنهام الإنجليزي، في شباك سبورتينغ لشبونة البرتغالي، بعد مراجعة حالة تسلل في بناء الهجمة.
كما شهد الدوري الإنجليزي هذا الموسم حالات مماثلة، أبرزها هدف فلوريان فيرتز في مباراة فولهام وليفربول، الذي ألغي أولا قبل أن يُحتسب لاحقا بعد مراجعة SAOT بدقة شديدة.
ورغم التطور الكبير الذي توفره SAOT، فإنها لا تعني نهاية الجدل التحكيمي بشكل كامل، لأن التقنية لا تغير قانون التسلل نفسه، بل تجعل تطبيقه أكثر سرعة ودقة.
لكن المؤكد أن إدخال الذكاء الاصطناعي إلى التحكيم المغربي يمثل تحولا مهما داخل البطولة الاحترافية، خاصة في ظل الانتقادات المتكررة التي ترافق بعض قرارات “الفار” خلال المواسم الأخيرة.
عن: SNRTNEWS
















