في لقاء دراسي حضره كاملا يونس السكوري، وزير الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات، اليوم الأربعاء، شرّح خبراء وأكاديميون عيوب الصيغة الحالية من مشروع قانون الإضراب، حيث جردوا عددا من المقتضيات التي ماتزال تكبل ممارسة هذا الحق.
وقال علال البصراوي، نقيب سابق لهيئة المحامين بخريبكة، في اللقاء الدارسي الذي احتضنه مجلس المستشارين، إن الملاحظة الأولى تتعلق بماهية الإضراب من الناحية السوسيولوجية، ذلك أنه يعد تجربة قوة بين العامل ورب العمل، هذا الأخير يمتلك قدرة أكبر من العامل تتمثل في قدرته على إيقاف أجره، مبرزا أن التطور التاريخي أعطى قدرة موازية للعامل تتمثل في إيقاف العمل.
وأورد أن هذه المعادلة هي أساس فهم الإضرب، مضيفة أن السؤال الذي يطرح حول صياغتها في قوانين، صياغة تحتكم للمرجعية الدولية لحقوق الإنسان، مؤكدا أن منظمة العمل الدولي تؤكد أن الدول إذا أرادت أن تقنن الإضراب عليها أن لا تمنعه وتقيده تحت غطاء القانون، ومرجعية الدستور الذي لم يقيد هذا الحق.
وبالمقابل يضيق النقيب السابق، أنه لا ينبغي التعسف في ممارسة هذا الحق من طرف العمال والأجراء، مبرزا أنه يحق للعامل أن يقوم بالإضراب لكن لا يحق منع آخرين من ممارسة عملهم، مشددا على أن “هذا التوازن هو ما ينبغي الحفاظ عليه”.
الديباجة والتعريف..
واستحضر البصراوي ما يتعلق بالنقاش الذي أثير هو الديباجة، مفيدا أنها من الأمور الأساسية بالنسبة للقاضي، موضحا أنها لا تمنح حقوقا ولا التزامات ولكنها مهمة للقاضي في حال حدوث لبس لأنها تحيل على مرجعيات.
واستحضر تبرير الحكومة لعدم وضع الديباحة بالقول إن القوانين التنظيمية لا ديباجة فيها بدليل قرار المحكمة الدستوري فيما يتعلق بالمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، موضحا أنه على العكس فإن قرار المحكمة الدستورية يقول إنه ليس في الدستور ما يمنع القانون التنظيمي من أن تكون لها ديباجة، موضحا أن الديباجة مهمة في هدا القانون على أن تكون كلاما عاما أو تعيد صياغة تصدير الدستور.
وبخصوص تعريف الإضراب، أكد البصراوي أنه يحبذ أن لا يكون هناك تعريف للإضراب لأنه ليس من اختصاص المشرع بل اختصاص القضاء والفقهاء، مشددا أنه إذا تم التعريف سيتم الزام القضاة به، موردا أنه إذا كان التعريق يجب أن موسعا وعاما.
واعتبر أن التعريف الذي يفيد أن الإضراب يأتي لمصلحة مهنية واقتصادية مباشرة، مفيدا أن هذه الصيغة الحالية تحافظ على منع الاضراب السياسي والإضراب التضامني والإضراب العام وغيرها رغم حذف المنع في مجلس النواب.
الآجال وتغييب مفتش الشغل
وتابع البصراوي أنه من الأمور الصعبة في هذا القانون الإجراءات المتعلقة بالإضراب والتي تهم الآجال والتبيلغات والجهة الداعية للإضراب، معتبرا أن الآجال طويلة ولا مبرر لها، مؤكدا أن الاجتهاد القضائي ينص على أن الأجل المعقول هو 15 يوما، وأن التبليغات لا مبرر أن تتم لكثير من الجهات فإبلاغ عامل الإقليم يعتبر بلاغا للجميع.
وأشار النقيب السابق فيما يتعلق بوقف الإضراب إلى أنه من الأمور الصعبة الجهات التي يمكنها الإيقاف، وهي قاضي المستعجلات أو رئيس الحكومة، وهناك إمكانية إيقافه بطريقة مباشرة من طرف السلطات العمومية، لافتا إلى أن لحق يجب أن يقتصر على القضاء، ورئيس الحكومة يجب أن يأتي لقضاء المستعجلات إذا أراد إيقاف الإضراب.
ولفت البصراوي إلى الإشكال المرتبط بتغييب مفتش الشغل، لافتا إلى أنه يجب أن يعطى له دور في قانون الإضراب لأن المفتش له علاقة بالعمال والمشغلين وعمله تصالحي.
وفيما يخص العقوبات، أشار البصراوي إلى أنه حتى وإن تم تغيير اسمها بالجزاءات ولكن يجب الذهاب للجوهر، مشددا على أنه يجب أن نشرع للحقوق والحريات، والمشريع حين يشرع للحقوق يكون مرتاحا في هذه الحال ليس كالمشرع الجنائي.
وفيما يتعلق بالمرافق الحيوية، أكد النقيب أنه لابد من التدقيق فيها، مشيرا إلى أن هناك تناقضا بين تعريفها ولائحة المرافق والمؤسسات التي أدخلت فيها، حيث نص المشرع على توفر حد أدنى من الخدمات الأساسية في حال كان الإضراب يعرض حياة الأشخاص وصحتهم وسلامتهم للخطر، موردا أن اللائحة لا توافق التعريف فهي تمشل المحاكم أو بنك المغرب أو الهيئة الوطنية للمعلومات، والمرافق المكلفة بنشر الجريدة الرسمية.
استكمال الوثيقة الدستورية
ومن جانبه أشار محمد طارق، الأستاذ الجامعي، إلى قانون الإضراب بمثابة استكمال كتابة الوثيقة الدستورية التي تنص على القوانين التنظيمية، وقانون الإضراب نصت عليه كل الدساتير، موردا أنه جاء كمخرج من مخرجات الحوار الاجتماعي.
وتابع طارق “إننا أمامم قانون بمرجعية حقوقية ويضمن حقوق الأفراد والجماعات في ممارسة الإضراب وحماية هذا الحق هي مسؤولية الجميع ونصت عليها الوثيقة الدستورية.
وأشار إلى أن المغاربة مارسوا الإضراب للدفاع عن التراب الوطني في فترة الحماية وللدفاع عن الحقوق والحريات، مشيرا إلى أنه طيلة عقود الإضراب استطاع أن يقنن نفسه بنفسه والممارسة النقابية تشهد على ذلك مع وجود بعض الاحتقانات.
وشدد طارق على الإضراب هو الممارسة الأخيرة للدفاع عن الحق، مفيدا أن القانون التنظيمي يجب أن يكون أداة لتكريس الواقع الموجود في الممارسة العملية.
النصف الفارغ من الكأس
وسلط طارق الضوء على ما اعتبره أنه “النصف الفارغ من الكأس”، مشسرا إلى أن المنهجية المعتمدة متسمة بسرعة غير مفهومة، مشددا على أن مجلس المستشارين فرصة لإعادة خلق التوافق المجتمعي ويمكن إعادة انضاج النص، مبرزا أن المنهجية تدعو الى القلق بسبب السرعة.
وبخصوص اللغة والأسلوب وبنية النص، أبرز محمد طارق أن مجلس النواب لم يتوفق في صياغة نص فيه لغة التشريع، مشيرا إلى أن الصياغة المعتمدة من الغرفة الأولى أضاعت علينا الفرصة للتأمل في بعض المقتضيات، مفيدا أنها فرصة لمراجعته بمنطق التشاور.
وواصل طارق من جهة أخرى “لا أفهم لماذا البرلمانين والحكومة يقومون بعمل المحكمة الدستورية”، مبرزا أنه لا مشكل أن تقوم الأخيرة بعملها ويمكن إعادته للملاءمة إذا كان ما يقتضي لذلك، والمشرع ليس تلميذا مجتهدا أو كسولا، والقانون يمكن إرجاعه إلى الملاءمة، ولا معنى للتخوف من الديباجة.
وأفاد أنه توجد مقتضيات تمنع وتكبل ممارسة حق الإضراب، موضحا أنه هناك ثمان مقتضيات ما تزال ضمن فلسفة التقييد رغم أن الخطاب السياسي يتجه في فسلفة الحرية.
وأوضح أن منع الإضراب بحصر موضوعه في المادة الثالثة في الملف المطلبي والقضايا الخلافية، مؤكدا أن 80 في المئة من الإضرابات تتعلق بالسميك وتأخر الأجور وأغلبها مطالب لتحقيق قانون الشغل.
منع “مقنع” للإضراب
وأشار إلى تضييق مجال الإضراب فيما يخص الجهة الداعية للإضراب، موردا أن مشروع القانون جعل فئات مجتمعية خارج حق الإضراب، لافتا من جهة أخرى إلى الإطلاقية في المنع بالمادة 22 فيما يخص منع الإضراب داخل مؤسسات أو قطاعات بإطلاق، موردا أن الأصل فهو الإباحة والتقييد يجب أن يكون في حدود ضيقة.
ولفت إلى تعطيل الإضراب في المقاولات والمؤسسات التي ليس فيها تمثيلية نقابية، موردا أن الحرية النقابية غير مضمونة بعدد من المقاولات ليتم العمل بذلك، منتقدا النسب المطلوبة في الجمع العام.
وتابع بأن الآجال تدعو لتعطيل الإضراب، الذي اذا تم جمعه مدته نصل إلى 60 يوما في القطاع العام و30 في القطاع الخاص، موردا أنه بعد هذه المدة سيصبح الإضراب بدون معنى لأنه خلال هذه الفترة يمكن تغيير بنية المؤسسة.
وبخصوص المرافق الحيوية أكد أن منع الإضراب فيها يجب أن يهم نشاطا وليس مرفقا. مشيرا أنه لم يتم التغيير مقارنة بالصيغة السابقة، مشددا على أن المادة لا ينبغي أن تشمل الشركات بل القطاعات.
وفيما يخص العقوبات أكد أنه لا ينبغي معاقبة الأجير مرتين على الإضراب، مفيدا أن وضع أكثر من عقوبة لا يحفز ويدعو إلى الريبة.
وأشار إلى تكريس العقوبات التأديبية، معتبرا أن المالية قاسية جدا، وأن المشروع قام بالتعامل مع الشركات والمؤسسات بنفس الطريقة، مشددا على أنه لا يمكن إغراقهم وإرهاقهم بهذه العقوبات وتغيير بنية العقاب.
















